img
الهجمات على التعليم في شمال سيناء بمصر قد تكون جرائم حرب
08 ابريل 2024

(لندن – 8 أبريل 2024) قالت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان اليوم في تقرير مفصل ورائد إن قوات الأمن والجيش المصري وكذلك جماعة ولاية سيناء المحلية التابعة للدولة الإسلامية (داعش) قد قامت بشن الهجمات على المدارس، وأطفال المدارس والمعلمين في شمال سيناء بمصر بشكل قوض العملية التعليمية بشدة خلال عقد كامل من الصراع المسلح بين 2013 و2023. مثلت الكثير من تلك الهجمات – على الأرجح – جرائم حرب، كما قوضت من الحق في التعليم للآلاف من الأطفال. 

يستند التقرير الذي يقع في 141 صفحة على عشرات الروايات لشهود العيان، وتحليل لصور ومقاطع فيديو وخرائط الأقمار الصناعية وأدلة أخرى. ويوثق لأول مرة أنه بين سبتمبر 2013 وديسمبر 2023، قام الجيش بتدمير جزئي أو كلي لعشرات المدارس في خمس مدن والقرى المحيطة بهم في محافظة شمال سيناء. كما استخدم الجيش 49 منشأة تعليمية في أغراض عسكرية بما يشمل استخدامها كقواعد عسكرية، وارتكازات للمراقبة، ومنشآت للتخزين، مما كان له تأثير مدمر على العملية التعليمية لآلاف الطلاب في تلك المدارس لسنوات.

قام أعضاء الجماعة المسلحة المتشددة ولاية سيناء أيضا باستخدام المدارس في شمال سيناء لأغراض عسكرية، وبخاصة كنقاط مراقبة، وفي بعض الأحيان للهرب من ضربات الجيش الجوية. استخدم التنظيم أيضا متفجرات في أربع مدارس لهدمها ومنع الجيش من استخدامها. 

شاهد خريطة تفاعلية تظهر 135 من المنشآت التعليمية المتأثرة بالنزاع المسلح على امتداد محافظة شمال سيناء.

قال أحمد سالم، المدير التنفيذي لمؤسسة سيناء لحقوق الإنسان:

 

هذا التقرير يسلط الضوء على الهجمات على التعليم في شمال سيناء طوال عشر سنين من العمليات العسكرية التي دأبت الحكومة والجيش المصريين على إخفائها عن العامة. إن أصوات السكان في شمال سيناء، الذين تحملوا العبء الأكبر لتلك العمليات، تستحق أن تُسمع، واحتياجاتهم لابد أن تؤخذ بالاعتبار فورا وبشكل شفاف. التعليم يشكل المستقبل. يتعلق الأمر بكيفية تشكيل هذه المنطقة لعقود قادمة، ومن الانهزامية الادعاء بأن مكافحة الإرهاب استلزمت مثل كل هذه الانتهاكات

بين يونيو 2022 وديسمبر 2023 أجرت مؤسسة سيناء 63 مقابلة مع سكان محليين هم أباء لطلبة المدارس، وشهود، ومعلمين وموظفين في مديرية التعليم في مدن شمال سيناء. قام الفريق البحثي في المؤسسة أيضا بزيارات ميدانية لبعض المدارس في خمس مدن يغطيها التقرير هي العريش وبئر العبد والشيخ زويد والحسنة ورفح، والقرى المحيطة بهم. حللت المؤسسة صورا فوتوغرافية ومقاطع فيديو تظهر تلك المدارس والتي قام الفريق بالحصول عليها، كما حللت عشرات من صور الأقمار الصناعية. في الكثير من الحالات، تطابق تحليل الأدلة البصرية مع روايات الشهود حيث تظهر الصور تدميرا لحق المباني التعليمية أو وجود مركبات ومباني ومعدات عسكرية بما يدل على استخدامها في أغراض عسكرية.

الهجمات على المدارس

وجد التقرير في العديد من الحالات إن المدارس هدمت في ضربات جوية أو مدفعية (أرضية) بواسطة الجيش، في بعض الحالات – على ما يبدو – لحرمان مسلحي ولاية سيناء من استخدامها أو التحصن بها. في حالات أخرى، هدم الجيش بالكامل أبنية تعليمية كتكتيك من أجل إجبار السكان على ترك أراضيهم وبيوتهم، كجزء من عمليات الإخلاء القسري الواسعة التي قام بها الجيش في المنطقة، والتي تركت عشرات الآلاف بلا سكن أو دخل أو مدارس بديلة.

قال والد أحد الطلاب المسجلين في مدرسة استحوذ عليها الجيش في الشيخ زويد: "تعاملنا الحكومة وكأننا غير موجودين أو كأن أمرنا لا يعنيهم. قام الجيش بإغلاق المدرسة في ٢٠١٧ وحولها إلى ثكنة تستضيف عددا كبيرا من الجنود برغم إن معسكر الزهور العسكري قريب للغاية حيث كان بإمكانهم بناء أماكن إيواء هناك. هل كان ذلك هو الحل الوحيد؟"

تضرر الطلاب والمعلمين

الهجمات بواسطة أطراف الصراع امتدت لتؤثر على أطفال المدارس والمعلمين. استطاعت مؤسسة سيناء توثيق إنه – خلال نحو 10 سنوات – أدت الهجمات اللا تمييزية أو المتعمدة بواسطة الجيش إلى مقتل 186 طالب وطالبة و21 من أعضاء الهيئات التعليمية، بينما جرحت 268 و20 على التوالي. ليس كل الأطفال والمعلمين الجرحى والقتلى هم ضحايا هجمات على المدارس. بعضهم سقط خلال رحلتهم بين المدرسة والمنزل أو أثناء وجودهم في منازلهم، وذلك كجزء من النمط الواسع من الهجمات اللا تمييزية التي قام بها الجيش بوحشية ضد المدنيين في شمال سيناء.

في حادثة في 10 أغسطس 2020، قام جنود بالجيش بقتل طالبين وإصابة اثنين آخرين حينما فتحت قوات الجيش النار على حافلة تقل الطلاب أثناء مرورها خلال نقطة تفتيش تقع بين قريتي الهميصة وأبو جلود في الجنوب الغربي من مدينة بئر العبد، وذلك وفقا لطالب نجى من إطلاق النار ومصدر طبي. 

في نفس الفترة، قام مسلحو ولاية سيناء بقتل 35 طالب وطالبة و6 معلمين وجرحوا 43 و5 منهم على التوالي. الكثير من هؤلاء الذين قتلوا سقطوا في انفجارات لعبوات ناسفة زرعها التنظيم بالقرب أو داخل المدارس لاستهداف القوات الحكومية. البعض الآخر قتل خلال عمليات إطلاق نار لا تمييزية بواسطة مسلحي التنظيم. كما قام التنظيم بقتل متعمد لطلاب ومعلمين ادعى أنهم متعاونين مع الجيش.

لم تعترف السلطات المصرية على الإطلاق بشكل علني بأي هجمات على المدارس أو أنها استخدمت أي منها لأغراض عسكرية. ومع ذلك، استطاعت مؤسسة سيناء الحصول على وثائق رسمية تعترف بأن الجيش استخدم بعض المدارس وأن البعض الآخر أغلق بسبب تدميره. 

حصلت مؤسسة سيناء على وثيقة رسمية صادرة عن مديرية التعليم في شمال سيناء والتي ذكرت أنه في 2016 كان هناك 24 مدرسة في المحافظة تم اغلاقها "لأسباب أمنية" أو لأنها "هدمت بالكامل. حصلت مؤسسة سيناء كذلك على خطاب رسمي بتاريخ 11 نوفمبر 2021، أرسل من وكيل وزارة التعليم في شمال سيناء إلى أحد أعضاء شمال سيناء في مجلس النواب. يشرح وكيل الوزارة في الخطاب إن مدرسة تعليم أساسي تقع في الشيخ زويد لا يمكن تجديدها لأنها "مغلقة لأسباب أمنية حيث يوجد داخلها نقطة تفتيش تابعة لوزارة الداخلية تشمل حوالي 14 فردا."

في أوقات الصراع المسلح، بما يشمل الصراع المسلح غير الدولي مثل الذي كان قائما في شمال سيناء بين نهاية 2013 و2023، تمثل الهجمات على المدارس التي لا تستخدم في أغراض عسكرية جريمة حرب في القانون الإنساني الدولي. بموجب القانون يتوجب على أطراف الصراع تجنب إنشاء أي كيانات عسكرية في المناطق المأهولة سكانيا حيث تتواجد المدارس. لم تعترف الحكومة المصرية من قبل أن الوضع في شمال سيناء يرقى إلى مستوى الصراع المسلح لكنها قامت بتعبئة عشرات الآلاف من الجنود واستخدمت القوات الجوية والبحرية خلال 10 سنوات من الحرب. في القانون الدولي لحقوق الإنسان (المنطبق في حالة السلم) تمثل الهجمات على المدارس انتهاكا للحق في التعليم حيث تقوض اثنين على الأقل من العناصر المهمة لذلك الحق وهما الإتاحة والقدرة على الوصول. 

قالت مؤسسة سيناء إن التوصيف القانوني للوضع في شمال سيناء كصراع مسلح غير دولي قد انتهى نظريا في 2023، حيث إن آخر الهجمات المؤكدة التي شنتها ولاية سيناء كانت في ديسمبر 2022، وكانت تلك الهجمة بين اثنتين فقط في ذلك العام. ومع ذلك، بقيت المنطقة معسكرة بشكل كبير حيث يتم الحد بشدة من دخول الصحفيين والمراقبين وتحظر التقارير المستقلة. يستمر الجيش كذلك في منع الآلاف من السكان من العودة إلى أراضيهم التي هُجروا منها. كما تستمر قوات الجيش في احتلال بعض المدارس لحظة نشر هذا التقرير. 

على الجيش المصري فورا وقف استخدام المدارس في شمال سيناء لأغراض عسكرية، وإخلائها من القوات، والتأكد من إزالة الارتكازات العسكرية داخل أو بالقرب من المدارس إلا إذا كانت جزء من عمليات تأمين تلك المدارس بناء على تهديدات واقعية ذات صلة ينبغي شرحها للعامة. 

على السلطات أن تقدم بشكل فوري وعلني خطة متكاملة لاستعادة قدرة المدارس المهدمة على العمل، وبناء مدارس جديدة، من أجل التأكد من أن الطلاب الذين انقطعوا عن التعليم لديهم قدرة دون عوائق على الوصول للمدارس في مناطق قريبة من تلك التي يعيشون بها وحيث يتم العمل على ضمان عناصر الحق في التعليم بأقصى قدر ممكن. كما أنه ينبغي السماح للسكان بالعودة إلى أراضيهم طالما سمح الظرف الأمني. 

على السلطات المصرية أيضا التأكد من تقديم مسلحي ولاية سيناء الذين ارتكبوا جرائم خطيرة، مثل القتل العمدي للمدنيين، إلى العدالة، في إجراءات عادلة. كما عليها على نحو الخصوص التأكد إن أعضاء التنظيم الذين مُنحوا عفوا مقابل تسليم أنفسهم للسلطات، كما وثقت ذلك مؤسسة سيناء، لم يشاركوا في انتهاكات خطيرة أو جرائم حرب. 

على مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن يشكل هيئة مستقلة دولية لمراقبة والتحقيق في الانتهاكات الخطية والمنهجية التي تقوم بها قوات الجيش والأمن المصرية في شمال سيناء وبقية مصر منذ يوليو 2023، وذلك في سياق ما دعت لها المنظمات الحقوقية الدولية والمصرية، نظرا لتفشي الحصانة وغياب استقلال القضاء وأطر المعالجة الوطنية الفعالة. 

​​​​​​​ لقراءة التقرير: اضغط هنا