img
محاكمات بلا ضمانات: أنماط الانتهاكات المنهجية لضمانات المحاكمة العادلة أمام دوائر جنايات الإرهاب (سبتمبر 2024 – يناير 2026)
16 فبراير 2026

تدين الجبهة المصرية لحقوق الإنسان والمفوضية المصرية للحقوق والحريات ومؤسسة سيناء لحقوق الإنسان المحاكمات المجحفة التي واجهها متهمون خلال العام الماضي، خاصة أمام محاكم جنايات بدر -المعروفة بدوائر الإرهاب- والتي تفتقر إلى الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.والتي كفلها الدستور المصري. وتُبدي المنظمات الثلاث قلقها من استمرار السلطات المصرية في الضرب بمقومات المحاكمات العادلة عرض الحائط، والتي تٌهدد المتهمين وممارسي المهنة القانونية على حد سواء، وتقوض أسس العدالة، ودولة القانون، والتقاضي في مصر.

تستمر السلطات المصرية في نهجها لانتهاك مقومات المحاكمات العادلة للمتهمين أمام بعض محاكم الجنايات على خلفية قضايا واتهامات سياسية، على النحو الذي رصده محامون ومعنيون بمتابعة المحاكمات خلال العام الماضي الممتد من سبتمبر 2024 إلي ديسمبر 2025، والتي تضع حيوات المتهمين في خطر جسيم ، وتُهدد المحامين الموكلين بالدفاع عنهم.

وبرغم اقتصار جهود متابعة المحاكمات على العام المنصرم فقط، فيرجع تاريخ بعض هذه القضايا إلى أعوام 2017 و2018 ولم يُحكم فيها حتى الآن. كذلك اعتمدت متابعة المحاكمات على توثيقات وشهادات مسجلة لأكثر من 59 قضية، عُقدت جلها في محاكم جنايات بدر، باستثناء واحدة في محكمة جنايات الإسماعيلية، وقد حُكم في ثلاث فقط منهم.

تهدف هذه الورقة إلى توثيق وتحليل أنماط منهجية من الانتهاكات الجسيمة لضمانات المحاكمة العادلة في القضايا المنظورة أمام محاكم جنايات بدر، استنادًا إلى متابعة مباشرة لجلسات المحاكمة، وشهادات محامين، ومراجعة أوامر الإحالة ومحاضر الجلسات. وتغطي الورقة الفترة الممتدة من سبتمبر 2024 إلى ديسمبر2025، وتشمل ما لا يقل عن 59 قضية. ولا تسعى الورقة إلى حصر جميع الانتهاكات، وإنما إلى إبراز أنماط متكررة تشير إلى خلل بنيوي في إجراءات التقاضي، وليس إلى وقائع فردية معزولة.

ويواجه المتهمون في هذه القضايا جملة من الاتهامات السياسية المعتادة وهي؛ الانضمام لجماعة إرهابية – الإخوان المسلمين أو داعش- وتمويلها، ونشر أخبار كاذبة، أو التحريض على نشر أفكار متطرفة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو التحريض على ارتكاب جرائم إرهابية، أو التخطيط لارتكاب أعمال إرهابية، تم تسمية بعضها مثل استهداف المنشآت العامة، وأضيف لها كذلك اتهامات مثل إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والإضرار بالاقتصاد القومي، وحيازة مفرقعات.

تضم القضايا محل المتابعة متهمين من كبار السن ممن تجاوز سنهم الستين عاما، بواقع 157 متهم، في حين بلغ عدد السيدات المتهمات في هذه القضايا 106 سيدة، أغلبهم قيد الاحتجاز بالفعل، ومتهم قاصر واحد. كذلك تشمل هذه القضايا اتهام لعدد من المحامين، وصل عددهم 14 محاميا، أغلبهم متهمين في القضية رقم 2976 لسنة 2021.

استندت هذه المتابعة الموجزة للمحاكمات على توثيق وقائع وشهادات حية من واقع جلسات المحاكمات على امتداد العام، ومقارنتها بمعايير المحاكمات العادلة المستقرة دوليا والتي تُمثل تعهدات دولية مثل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بخصوص المحاكمات العادلة واستقلال القضاة وأعضاء النيابة العامة، والتي يتضمنها الدستور المصري والقوانين المحلية.

وقد رصد المحامون والمعنيون بمتابعة المحاكمات جملة من الانتهاكات الواضحة لمعايير المحاكمات العادلة، والتي تتورط فيها الجهات الرسمية من هيئات المحكمة، والجهات الأمنية، والنيابة العامة بشكل جماعي وتضامني.

انتهاك مبدأ الحق في الحضور والعلانية
شهد الحق في الحضور وعلانية الجلسات انتهاكًا واسعًا وممنهجًا، بتواطؤ من هيئات المحكمة والجهات الأمنية المسؤولة عن نقل المتهمين وتأمين قاعات المحاكم، بما طال المتهمين وذويهم والجمهور العام. وقد وُثقت على امتداد العام ممارسات تعسفية، من بينها غياب المتهمين عن حضور الجلسات دون مسوغ قانوني عبر إبقائهم داخل زنازين الاحتجاز، في مخالفة صريحة لحق المتهم في حضور محاكمته المكفول قانونًا بموجب المادة 237 من قانون الإجراءات الجنائية، وبما يخل كذلك بالمادة 96 من الدستور المصري.
وبرغم وضوح هذا الانتهاك، مضت هيئات المحاكم في عقد الجلسات دون حضور المتهمين، ودون مساءلة الجهات الأمنية عن أسباب الغياب، في إخلال جسيم بسلامة الإجراءات وضمانات المحاكمة العادلة أمام محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة. وفي المقابل، سعت هيئات الدفاع مرارًا إلى الاعتراض على هذا التغييب وطلب إثباته بمحاضر الجلسات، إلا أن المحكمة تجاهلت تلك الطلبات دون تقديم مسوغ قانوني لعقد الجلسات في غياب المتهمين.
ولا يقتصر الحق في الحضور على مجرد الوجود الشكلي، بل يمتد ليشمل فعالية الحضور وجودته بما يضمن حق الدفاع. وقد رُصد تحايل ممنهج على هذا الحق، تمثل في إحضار المتهمين وإبقائهم داخل سيارات الترحيلات خارج قاعات المحكمة لساعات طويلة قد تصل إلى ست أو سبع ساعات، دون ماء أو طعام أو تهوية أو رعاية طبية، ثم بدء الجلسات بعد إنهاكهم جسديًا ونفسيًا، بما يؤثر بشكل مباشر على قدرتهم على التركيز والتفاعل مع مجريات المحاكمة.
كما سُمح بحضور بعض المتهمين داخل أقفاص زجاجية عازلة للصوت والحرارة، تحول دون سماعهم لما يدور داخل الجلسة أو تواصلهم الفعال مع محاميهم، وهو ما اعترضت عليه هيئات الدفاع والمتهمون مرارًا، دون استجابة من المحكمة، بما يقوض حق الدفاع ويخل بمبدأ تكافؤ الفرص بين الخصوم.
وعلى صعيد علانية الجلسات، فُرضت قيود غير مبررة قانونًا، شملت منع ذوي المتهمين من الحضور، واستبعاد الفريق المعاون للمحامين من دخول قاعات المحكمة، وتجريد المحامين من هواتفهم ومنعهم من استخدامها حتى لأغراض مهنية، في مخالفة صريحة لمبدأ علانية الجلسات المنصوص عليه في المادة 268 من قانون الإجراءات الجنائية، بما يحول الجلسات عمليًا إلى محاكمات مغلقة تفتقر للرقابة العامة والضمانات الأساسية للعدالة.

دور أعضاء النيابة العامة
تتطلب عدالة المحاكمات، التزام النيابة العامة/ الإدعاء بالنزاهة والعدالة، وعدم ممارسة أي تمييز أو إبداء انحياز لصالح المتهم أو ضده تبعا لانتمائه السياسي، أو الديني أو العرقي أو لنوعه. تكشف ممارسات النيابة العامة في القضايا المنظورة أمام محاكم جنايات بدر عن إخفاق منهجي للنيابة في الاضطلاع بدورها كجهة يُفترض أن تسعى إلى كشف الحقيقة وضمان العدالة بما يقوض مبدأ الحياد والمساواة بين الخصوم، ويُثير شبهات جدية حول اعتبارات الحياد والنزاهة، على النحو الذي تكشفه سرعة إحالة المتهمين دون تمحيص في استجوابهم أو في التحقيقات التي خضعوا لها من جانب أجهزة الأمن، والتي قدموا فيها اعترافاتهم أو إقراراتهم. كذلك تتأكد هذه الانحيازات وعدم النزاهة في تعميم اتهامين أو ثلاثة لكل المتهمين في القضايا المنظورة دون اختلاف على النحو المثبت في أوامر الإحالة الصادرة من النيابة للمتهمين. يُضاف لذلك عدم إشراف النيابة على التحقيقات منذ البداية، حيث يجري القبض والاستهداف أولا للمتهمين، وتأتي في وقت متأخر للغاية مسألة تكييف الإدعاء تجاه المتهمين، إلى جانب اعتماد النيابة في بناء إدعائها على تحريات قطاع الأمن الوطني فقط، دون الاستعانة بمصدر مكافئ لموازنة المعلومات الواردة بتحريات الأمن الوطني. تبدو هذه الممارسة الانحيازية المفتقدة للنزاهة والعدالة نتيجة منطقية وحتمية في ضوء غياب الاستقلال الوظيفي للنيابة العامة، وتبعيتها للسلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل.

ويتعارض ما سبق مع ما نصت عليه المادة 189 من الدستور المصري بشأن استقلال النيابة العامة، كما يخالف مبادئ الأمم المتحدة بشأن دور أعضاء النيابة العامة 1990، ولا سيما المبادئ المتعلقة بالتزام أعضاء النيابة بالحياد والنزاهة، والسعي إلى تحقيق العدالة لا الإدانة، واحترام حقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة، وعدم التمييز، والتحقق من مشروعية الأدلة، وممارسة رقابة فعالة على أعمال أجهزة إنفاذ القانون، وضمان الاستقلال الوظيفي والمؤسسي عن أي تدخلات غير مشروعة.

مبدأ التضييق على المحاميّن والإخلال بحق الدفاع
تكشف متابعات وشهادات الحضور في محاكمات القضايا المنظورة أمام محاكم جنايات بدر عن تعسف كبير تجاه المحامين إزاء قيامهم بعملهم للدفاع عن المتهمين أو ضد شخوصهم، مخالفا بذلك التعهدات الدولية والدستورية بحرية ممارسة المهنة القانونية، واستقلالية وحماية العاملين بها. سجل المحامون خلال العام الماضي تنامي استخدام “ذريعة الإجراءات الأمنية” لإعاقة تواصلهم مع المتهمين داخل القفص الزجاجي. وفي حالة تسجيل أي محاولة تواصل بين المحامين وبين المتهمين الموجودين في القفص، يتدخل الأمن لردعهم. وفي الحالات التي تّمسك فيها المحامون بإثبات غياب المتهمين عن الجلسات، فقد واجهتهم المحكمة بالتهديد في حال عدم تراجعهم عن ذلك الطلب، وهو ما حدث مع أحد المحامين والذي تنامي إصراره لمشادة مع  رئيس الدائرة الثانية إرهاب المستشار وجدي عبد المنعم. كذلك سُّجلَت واقعة بخصوص أحد المحامين والذي تمسك فيها بإثبات غياب موكله عن المحاكمة بما يقضي ببطلان المحاكمة، إلا أن الدائرة الثانية رفضت ذلك. وتبعا لذلك فقد طلب الدفاع تمكينه من تحرير توكيل لمخاصمة المحكمة بسبب إصرارها على الامتناع عن إثبات الطلبات المقدمة، وهو ما رفضته المحكمة كذلك. وبناء عليه، أعلنت هيئة الدفاع من جانبها ردّ المحكمة بالكامل.

كما تتجاهل المحكمة طلبات الدفاع الجوهرية وترفض تسجيلها في محاضر الجلسات تحت دعاوى تقصير أمد التقاضي، أو الإدعاء بعدم تعلقها بموضوع الدعوى، على الرغم من تأثيرها الجدى على تغيير اتجاه القضايا أو وفقا لتعبير محكمة النقض “..لو تحققت، يتغير بها وجه الرأي في الدعوى”. يقصد بهذا الطلبات الجوهرية طلبات استخراج شهادات حبس أو الحصول على نسخ رسمية من أحكام سابقة. تتدخل كذلك هيئة المحكمة في منع توثيق طلبات الدفاع، وتحايلا على تلك الطلبات توجههم لكتابة طلباتهم في أوراق خارجية غير رسمية لحين إثباتها لاحقا، وهي مماطلة وتحايل تمنع الدفاع من حقه في التوثيق، ويٌعيق عمليا إمكانية الطعن أمام درجات التقاضي الأعلى.

ويمتد الرفض لتجاهل طلبات الدفاع المتكررة لإخلاء سبيل المتهمين الذين تجاوزوا المدد القانونية للحبس الاحتياطي، أو المرضى منهم، وكبار السن والسيدات. وقد أكد المحامون على تضييق هيئة المحكمة على الدفاع بمنحه وقت قصير للدفاع لا يتجاوز الثلاث دقائق لكل محامي لإبداء مرافعته، لتتدخل بعدها هيئة المحكمة بمنعه من التحدث، إلى جانب تعمد المحكمة لمقاطعة الدفاع باستمرار مسببة حالة من التشويش على الدفاع.

أشار المحامون كذلك لإعاقة تدخل المتهم في إجراءات محاكمته أثناء سير الجلسات من خلال وضعه في القفص الزجاجي العازل للصوت، والذي يحجب بعض الرؤية، ما يفوت عليه فرصة “الدفاع عن النفس”. بل إن الدائرة الثانية برئاسة المستشار وجدي عبد المنعم رفضت ما طلبه الدفاع بخروج المتهمين من القفص الزجاجي لسماع تلاوة النيابة العامة لأمر الإحالة والاتهامات المنسوبة لهم، أو لسماع شهادة الشهود خاصة من يشهدون ضد المتهم. كما تمنع الدائرة الأولى برئاسة المستشار محمد الشربيني المتهمين من سماع شهادة الشهود أو مناقشتهم، وتكتفي بخروجهم في جلسة تلاوة أمر الإحالة وفي جلسة المرافعة فقط. أما في باقي الجلسات تٌبقي المحكمة المتهمين في القفص الزجاجي، وتتجاهل طلبات المتهمين وترفض قيد ما يتعرضون له من انتهاكات بمحاضر الجلسات على نحو يخل بضمانات المحاكمة المنصفة. وتتدخل هيئة المحكمة بشكل سافر في سير المحاكمات بمنع المحامين من توجيه بعض الأسئلة للشهود أو استكمال مناقشة الشاهد بخصوصها، والذي تسوغه المحكمة بـ “حماية الشاهد من الدفاع”.

تمتد الممارسات التدخلية غير المبررة والتي تعيق حرية واستقلال مهنة المحاماة إلى ممارسات أخرى مثل استيلاء أفراد الأمن على الأماكن المخصصة لهم للاستراحة والتداول وما يلحق بها من مرافق كالحمامات، والتي لا يُفرَق فيها بين ما هو مخصص للمحامين الرجال والمحاميات السيدات. وتزداد وطأة هذا التضييق على هيئات الدفاع في حالة المحاميات السيدات ممن يُحرمن من استخدام الحمامات الخاصة بهن التي يستولي عليها أفراد الأمن، بما يحرمهن من غياب الخصوصية  والسلامة الجسدية، ومراعاة الفروق الجندرية للنساء، ليضيف لجملة المتاعب التي تواجه الدفاع بغرض إنهاكه وإقصاءه عن العمل على هذه القضايا.

وتصل هذه الممارسات تجاه المحامين حد الإهانات والسب والتهديد بالوضع في الحبس. يُذكر من هذه الاعتداءات، الإهانة التي وجهها القاضي  محمد السعيد الشربيني لأحد المحامين حيث نعته بـ “المستفز”، مع مطالبته بإنهاء مرافعته فورا، والتي تقوض مبدأ الحياد وتثير شكوكًا جدية حول استقلال المحكمة كذلك ضده. في واقع أخري ة دالة أمام دائرة القاضي وجدي عبد المنعم، تم التحفّظ على أحد المحامين داخل قاعة المحكمة أثناء ممارسته حق الدفاع، على خلفية ورود اسمه في إحدى القضايا المنظورة أمام دوائر الإرهاب، قبل أن يُفرج عنه لاحقًا عقب تدخل المحامين الحاضرين لدى هيئة المحكمة، مقابل تعهده بعدم الحضور مستقبلًا إلى محكمة بدر إلى حين الفصل في القضية المُدرج اسمه فيها على قائمة الاتهام. ويعكس هذا الإجراء نمطًا من المحاكمات المعيبة التي يُغيب فيها حق الدفاع، وتفتقر فيها هيئة المحكمة إلى الحد الأدنى من المهنية والاستقلالية.

يتسق هذا النهج النظامي في ملاحقة المحامين بالنظر لأعداد المحامين أنفسهم المتهمين على ذمة القضايا محل المتابعة، والذين وصل عددهم لـ 14 محاميا، يواجهون اتهامات من قبيل الانضمام لجماعة إرهابية، وقيادتها، وتمويلها، وذلك على الأرجح لقيامهم بالدفاع عن متهمين في قضايا سياسية، مثل المحامي الحقوقي أسامة بيومي، والمحامي إبراهيم متولي.

وتتعارض هذه الممارسات مع الضمانات الدستورية المكفولة لحق الدفاع، ولا سيما ما تقرره المادة 54 من الدستور بشأن كفالة حق الدفاع وحضور المحامي، والمادة 98 من الدستور التي تنص على أن حق الدفاع أصالة أو بالوكالة مكفول، واستقلال المحاماة وحمايتها كركن أساسي من أركان العدالة. كما تخالف هذه الممارسات مبادئ الأمم المتحدة بشأن دور المحامين، التي تؤكد حق المحامين في أداء مهامهم المهنية بحرية ودون ترهيب أو تدخل أو مضايقة، وحقهم في التواصل السري والفعّال مع موكليهم، ووجوب حماية المحامين من التهديد أو الملاحقة أو العقوبات التعسفية بسبب قيامهم بواجبهم المهني.

حيادية واستقلال هيئة المحكمة واختصاصها 
وفقا لشهادات المحامين وذوي المتهمين المسجلة ممن يتولون مهمة الدفاع عن ذويهم في بعض الحالات، تفتقد المحاكمات المنعقدة للحيادية والاستقلالية على النحو الذي توضحه الوقائع التي تعرضوا لها كمحامين وموكليهم. يجدر الإشارة إلى ثبات تشكيل هيئة المحكمة في الدائرتين الأولى والثانية المسؤولتين عن هذا النوع من القضايا المسيسة لفترة قاربت السبع سنوات مع تغييرات طفيفة لم تمتد لرئيس هيئة المحكمة. وهو أمر يطرح تساؤلات عن سبب هذا الاستقرار في تشكيل هذه الدوائر برغم مما ينتهجه النظام القضائي المصري من تغيير التشكيل القضائي للدوائر باستمرار وفقا لسياسة توزيع سنوية.

وبمراقبة أداء هاتين الدائرتين خلال السنوات الماضية، يتضح اتباعهم لسياسة واضحة تقوم على تجديد حبس المتهمين طيلة هذه المدة دون اختلاف بينهم، وذلك بالمخالفة للقانون. وبشكل متجاوز للشخوص، تنعقد المحاكمات في جنايات بدر في مرافق تتبع إداريا الشرطة وليس وزارة العدل، بالرغم من الزعم بخضوع المحكمة لرئيس المأمورية محكمة استئناف القاهرة. وقد ورد على لسان أكثر من محامي وقائع تُفيد بغياب المهنية عن هيئة المحكمة بالدائرتين، وانحيازها الواضح ضد المتهمين وهذه القضايا من البداية حيث لا تتحرج هاتين الدائرتين من التدخل في سير المحاكمات بشكل واضح وصريح في سبيل توجيه الشهود كما يبدو لهما.

وقد وُثقَت وقائع متكررة لتدخل القضاة أثناء استجواب الشهود، حيث يميل كثير من الشهود للإجابة بعدم تذكرهم لبعض الوقائع والمعلومات الواردة في الاتهامات، وعند تبين هذه الفجوة في شهادتهم أو كذبهم، لا يتورع القضاة عن التدخل لتوجيههم بشكل صريح لمعلومات بعينها أو “تصحيح شهاداتهم” كما تُعبر عن ذلك نصوص وأقوال التحقيق.

ويعمد عدد من القضاة للتعبير عن انحيازاتهم وتفضيلاتهم بشكل صريح تجاه الشهود، خاصة ضباط الشرطة والأمن الذين يشكلون قوام الشهود ضد المتهمين (شهود الإثبات). فقد وثٌقت داخل المحاكمات تبجيل وتوقير مبالغ فيه من المستشار وجدي عبد المنعم تجاه الضباط الشهود في أحد القضايا، والتي دفعته لصد الدفاع عند محاولة استجوابه للضباط، وإذا قام الدفاع بتوجيه سؤال له من شأنه الإخلال بالمسار المراد للقضية والحكم يتدخل عندها المستشار عبد المنعم لرفض السؤال، وقطع استجواب الشاهد، ويُسجل اعتراض المحكمة على سؤال الشاهد في محاضر الجلسات، ويقضي بتأجيل القضية.

وتشمل هذه المعاملة التفضيلية النيابة العامة كذلك، حيث تنتهك كلتا الدائرتين مبدأ المساواة بين الخصوم؛ فتُمكَن النيابة العامة من تصوير وتوثيق مرافعاتها، في حين يٌمنَع الدفاع من ذلك بالكلية. كما تسمح المحكمة للنيابة بالاستفاضة في عرض مرافعاتها، وإثبات طلباتها، وإثبات متابعة تنفيذ النيابة العامة لطلبات المحكمة. في المقابل يُحرم الدفاع من إثبات طلباته، وإبدائها كاملة للمحكمة، ويُمنع من أي محاولة للتوثيق الشخصي لوقائع الجلسة.

أيضا تتمسك الدائرة الثانية بسياسة عدم حضور المتهم جلسات محاكمته، وفي حال إصرار الدفاع على عدم انعقاد الجلسة دون حضور المتهم أو محاولة إثبات ذلك الغياب بشكل قانوني، تلجأ المحكمة لعقاب الدفاع والمتهم بتأجيل نظر المحاكمة لفترة قد تصل لثلاثة أشهر كما حدث في القضية 570 والقضية 330 والقضية 1070. بالمثل، وُثقَت حالات عن قيام المستشار وجدي عبد المنعم بعقد جلسة المحاكمة في غياب من الدفاع والمتهم عن جلسة المحاكمة، في الوقت الذي سمح فيه باستجواب شاهد الإثبات، وهو الضابط الذي قام بمهمة القبض والضبط للمتهم. وقد رُصدَ توجيه القضاة للأحكام بشكل مسبق، وإصدار أحكام جماعية بالإدانة، مع قلة أحكام البراءة، والتي وصلت لحكم واحد بالبراءة من أصل تسع قضايا فُصل فيها حتى الآن.

الحق في معاملة آدمية خالية من التعذيب / المعاملة القاسية والمهينة واللا إنسانية
برغم ضرورة الالتزام بهذا المبدأ تجاه المتهمين منذ لحظة القبض عليهم، وداخل مقرات احتجازهم، إلا أن المُسجَل في حالة محاكمات العام الماضي، هو العصف بهذا الحق للمتهمين حتى أثناء عقد المحاكمات، وفي قاعات المحكمة تحت مرأى ومسمع من هيئة المحكمة. وٌثق بالفعل تعرض بعض المتهمين، في القضية 618 لسنة 2022 للاختفاء القسري في أحد مقرات الأمن الوطني في أولى مراحل القبض عليهم وتعرضهم للتعذيب طوال ثمان أيام.

تمتد المعاملة القاسية والمٌهينّة للمتهمين داخل المحاكم وتكشف عن تعمد إنهاك المتهمين بقطع رحلات طويلة من مقرات احتجازهم إلى مقر المحاكمات، والذي تتفاقم آثاره في حالة كبار السن والمرضى من المتهمين، وتمتد هذه الرحلة لتصل لست وسبع ساعات، يبقون خلالها دون طعام أو شراب، وتحول دون قدرة المتهمين على المشاركة بكفاءة في جلسات المحاكمة.

كما وُجد أن الطاقة الاستيعابية لقاعات المحكمة لا تكف لاستيعاب العدد الكبير من المتهمين، خاصة داخل الأقفاص الزجاجية السالف الإشارة لها، والتي تعاني من نقص الهواء، وصعوبة وصول الضوء لها، والتي تتسبب في صعوبة تنفس المتهمين داخلها، وتتسم لذلك بارتفاع درجات الحرارة الشديدة بها؛ وهو ما يُلحق ضررا بالغا بكافة المتهمين، وبخاصة أصحاب الحالات المرضية وكبار السن. وقد سعى أحد المحامين لتوثيق هذه الحالة لدى هيئة المحكمة حين طلبت منه الدخول للقفص لتهدئة المتهمين على أثر التململ الذي أصابهم. وقد أخبر المحامي المحكمة بهذا الوضع القاسي وصعوبة التنفس داخل القفص وارتفاع درجة الحرارة داخله، دون أي ردة فعل من هيئة المحكمة.

تمتد المعاملة اللاإنسانية المتعمدة لتسجيل وقائع ضرب واعتداء من الضباط القائمين على حراسة المتهمين، كما وقع من جانب قائد حرس محكمة بدر- الضابط وليد عسل تجاه المتهمين جهاد الحداد، وأحمد أبو بركة، وأنس البلتاجي، وحسن الشاطر داخل “الحبس خانة” التابعة للمحكمة، على إثر مطالبتهم بالخروج وحضور جلسة المحاكمة. وفي واقعة تكشف عن غياب الحيادية والنزاهة لهيئة المحكمة، فقد طلب المتهمون إثبات وقائع التعدي، وقد أوهمتهم المحكمة بإثباتها في محضر الجلسة، إلا أنهم فوجئوا لاحقا بعدم إثباتها، وامتناع المحكمة والنيابة عن اتخاذ أي إجراء قانوني تجاه واقعة السحل والضرب والسب وانتهاك حقوق المتهمين.

تطال المعاملة القاسية واللا إنسانية كذلك المرضى من المتهمين ممن يعانون من تدهور حاد في الصحة، وتتجاهل إدارة السجن والمحكمة طلباتهم بالحصول على العلاج والتدخل الطبي اللازم لحالاتهم. يُذكر من هذه الحالات التي تتعنت إدارة السجون في حصولها على العلاج الطبي، وترفض المحكمة الإفراج عنهم مراعاة لحالاتهم الطبية رغم استحقاقهم القانوني ذلك؛ المحامية الحقوقية هدى عبد المنعم والتي قضت سبع سنوات في محبسها، وتعاني من مشكلات طبية مزمنة مثل السكري، وجلطات في الأوردة والرئتين، وقد سبق أن تعرضت كذلك لأزمتين قلبيتين في أغسطس 2025. كذلك المحتجزة مروة عرفة والتي تعرضت لجلطة رئوية، ومُنعَت من تلقي الرعاية الطبية المناسبة لهذه الحالة حينها، ولكن نٌقلَت مؤخرا لمستشفى بدر لتلقي العلاج. إضافة للمحتجز المحامي إبراهيم متولي والذي يعاني من تضخم حاد في البروستاتا يستدعي جراحة عاجلة، وهو ما ترفضه إدارة مستشفي بدر، ولم تسع هيئة المحكمة لتغييره أو لمنحه حقه القانوني في العلاج.

المحاكمة دون تأخير غير مبرر
 يُعد هذا المبدأ حقا أصيلا يجب مراعاته عند المحاكمات، إلا أن وقائع المحاكمات المرصودة تكشف عن انتهاكا جسيما له يبدو أولا في معضلة استمرار الحبس الاحتياطي خارج القانون حيث تجاوز كثير من المتهمين مدة الحبس الاحتياطي المقررة قانونا وهي عامين، ولم تصدر لصالحهم قرارات بإخلاء سبيلهم. ومن أبرز الأمثلة على هذا التجاوز السافر للمدد القانونية، هو المتهمين في القضية 955 لسنة 2017 والذين تجاوزوا الثمان سنوات وهم رهن الحبس الاحتياطي دون صدور حكم نهائي، ورغم انتهاء المرافعات في القضية منذ عام تقريبا؛ بينما يواصل المستشار الشربيني تأجيل النطق بالحكم، متهما الدفاع بالمسؤولية عن هذا التأخير تحت ذريعة إطالة أمد المحاكمة بمطالبهم المتكررة.

ومؤخرا تُنتهَج سياسة الاحتيال على تجاوز الحد القانوني الأقصى للحبس الاحتياطي عبر إحالة المتهمين للمحاكمة، لينقضي وقت طويل بين الإحالة وبدء المحاكمات الفعلية، والحكم فيها. تكشف التوثيقات الموجودة عن طول مدة المحاكمة حيث تعمد المحكمة لتأجيل النظر في القضايا لآجال متباعدة قد تصل في بعض المحاكمات لثلاثة أشهر فرق بين كل جلسة محاكمة وأخرى، متجاهلة بذلك المبدأ الدستوري والحقوقي الذي يقضي بسرعة الفصل في القضايا وسرعة التقاضي.

تقريب جهات التقاضي
 في الوقت الذي يُفترض أن تقوم فيه السلطات بتقريب جهات التقاضي وتيسيره على المتقاضين وهيئات الدفاع، وذوي المتهمين، تكشف السياسة الرسمية عن تجاهل تام لهذا المبدأ حيث استقر العمل خلال السنوات الماضية على عقد المحاكمات في مقرات المحاكم التابعة لمراكز الإصلاح والتأهيل (السجون)، والتي أُنشأت في أماكن متطرفة جغرافيا بعيدة عن العمران، دون أن تتوافر مواصلات عامة أو دورية لها. يُصعب ذلك من مهمة الدفاع في الانتقال لهذه المقرات بشكل دوري للدفاع عن متهمين، وكذلك الحال مع ذوي المتهمين، في رحلات قد تصل لـ ٤ و٥ ساعات في الرحلة الواحدة للوصول لمقرات المحكمة، ما يستنزف الدفاع قبل بدء المحاكمات.

التوسع في الجرائم والاتهامات المحالة لدوائر الإرهاب 
لعل من أبرز الانتهاكات لقواعد العدالة والمحاكمات العادلة، هو التوسع في الجرائم والاتهامات المحالة لدوائر الإرهاب كما في محكمة جنايات القاهرة (بدر) والمعروفة بدوائر الإرهاب، وذلك بعد ما كانت القضايا المحالة لهذه الدوائر هي فقط القضايا المرتبطة بالعنف السياسي أو الاعتداء الفعلي على المؤسسات والأشخاص كما استقر على ذلك العمل منذ عام 2013.

مؤخرا، وتحت ذريعة الحد من الحبس الاحتياطي، تتوجه النيابة لإحالة كافة القضايا حتى التي قُبض على متهمين فيها على خلفية “الانضمام لجماعات إرهابية” إلى المحاكمات، والتي تستند لتحريات الأمن الوطني، حتى التي لم يرتكب المتهمون فيها أعمال إرهابية، ولم يقوموا بالترويج لمحتوى يخدم الكيانات الموصفة بالإرهاب مثل داعش والإخوان أو القاعدة حيث يكتسب المتهمون توصيفات مثل العناصر الإثارية. كذلك تكشف القضايا عن متهمين أُحيلوا للمحاكمة بعد مدد متفاوتة من تجاوز الحبس الاحتياطي العامين، والثلاثة أعوام، وفي بعض الحالات أربعة أعوام.

بعد إعلان المتهمين بأمر الإحالة يٌجمد النظر في أمر مد حبسهم لمدد متفاوتة أقلها 3 شهور وفي بعض القضايا وصلت لثمانية أشهر، دون عرض على أي جهة قضائية للنظر في شأنهم. وتستغل السلطات المصرية ثغرة طالما وجدت في قانون الإجراءات الجنائية -قبل التعديل- حيث لم يُلزم القانون النيابة العامة بإرسال القضية خلال مدة زمنية محددة بعد إعلان المتهمين بالإحالة، في حين كان أقصى ما عالجه القانون هو التعرض لمسألة عرض المتهم المحال لمحكمة الجنايات في غير دور الانعقاد على محكمة الجنح المستأنفة المنعقدة في غرفة المشورة للنظر في طلب الإفراج عن المتهم، وهو غير ذي تأثير في حالة المحاكمات محل المراقبة.

التدوير
لم تكتف السلطات بتأزيم أوضاع المتهمين على النحو السابق، بل تُضيف لذلك معاناة أخرى، وهي المعروفة بممارسة تدوير المتهمين بين قضايا مختلفة. تُزيد هذه الممارسة من معاناة المتهمين، وتزيد من الأعباء الملقاة على عاتق الدفاع، حيث يخوضون صراعا حول أولوية طلبات الحضور وإحضار الشهود، ما يؤدي إلى إضعاف فعالية الدفاع وتفريغ الحق في المحاكمة العادلة من مضمونه، ويخلق حالة من عدم اليقين حول حضور المتهم للجلسات.

في ضوء هذه الوقائع والانتهاكات، تدعو المنظمات الحقوقية الثلاث السلطات المصرية للإفراج عن أي متهم جرى احتجازه أو تتم محاكمته بسبب ممارسته لحقوقه الأساسية كحرية الرأي والتعبير أو الحق في التجمع السلمي وذلك بدون قيد أو شرط. كما تدعو للإفراج عن المحتجزين الآخرين ممن تجاوزوا مدة الحبس الاحتياطي القانونية. كما تدعو المنظمات للسماح للدفاع بالقيام بمهامهم القانونية في حرية واستقلالية دون ضغوط أو تخويف، وأن تمتثل السلطات المصرية لقواعد تنظيم عمل القضاء المصري المستقرة من ضمان إعادة تشكيل الدوائر القضائية وتجديد تشكيلها سنويا، لتشمل محاكم الجنايات المخصصة لنظر قضايا الإرهاب. كما يدعو المنظمات لترك الجهات القضائية المعنية تعمل في مناخ من الاستقلالية والحرية والحيادية بما يضمن حقوق المتهمين ويكفل للقضاء المصري استقلاله ونزاهته. 



الكلمات المفتاحية


أخر المواضيع
الأعلى مشاهدة