
القبض على عدد من أهالي (النخلات) في شمال سيناء عقب وقفة سلمية لأطفال تطالب بإعادة بناء مدرستهم المدمرة
تابعت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان بقلق قيام قوات الشرطة في مدينة الشيخ زويد بمحافظة شمال سيناء، يوم الأحد 13 سبتمبر 2026، بإلقاء القبض على عدد من أهالي تجمع النخلات، على خلفية مشاركتهم في وقفة سلمية بصحبة أبنائهم من تلاميذ مدرسة النخلات، للمطالبة بإعادة بناء مدرستهم التي دُمرت خلال سنوات الحرب على الإرهاب.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها المؤسسة، أفرجت السلطات تباعًا عن ستة من المقبوض عليهم، بينما لا يزال كل من عماد سلام موسى الجبالي وسامي كايد مزيون محتجزين، دون ورود معلومات مؤكدة عن مكان وظروف احتجازهما أو طبيعة الإجراءات القانونية المتخذة بحقهما، ودون عرضهما على جهة تحقيق قضائية حتى وقت إعداد هذا البيان.
بدأت الواقعة صباح الأحد، بالتزامن مع انطلاق العام الدراسي الجديد، عندما اصطحب عدد من أهالي تجمع النخلات، التابع لقرية قبر عمير في الشيخ زويد، أبناءهم مرتدين الزي المدرسي إلى موقع مدرسة النخلات الابتدائية المدمرة. وأدى الأطفال طابورًا صباحيًا رمزيًا فوق أنقاض المدرسة، في تعبير سلمي عن رفض الأهالي إلحاق أبنائهم، للعام الخامس على التوالي، بمدرسة قبر عمير للتعليم الأساسي، التي تبعد عدة كيلومترات عن التجمع، في ظل عدم توافر وسائل مواصلات عامة وآمنة لنقل الأطفال.
وتوقفت الدراسة في مدرسة النخلات في منتصف عام 2015، ثم تعرضت المدرسة لقصف مدفعي في سبتمبر 2016، قبل أن يدمرها الجيش بالكامل عام 2018، وفقًا لما سبق أن وثقته مؤسسة سيناء في تقريرها «ألغام المستقبل».
ووفقا لمقابلة أجرتها مؤسسة سيناء مع مسئول في مديرية التربية والتعليم بشمال سيناء، فقد شهدت المديرية حالة استنفار عقب تداول مقطع مصور للوقفة على موقع فيسبوك، حيث أجرت مديرية التربية والتعليم بشمال سيناء، ممثلة في وكيل الوزارة حمزة رضوان، اتصالات بإدارة الشيخ زويد التعليمية للاستفسار عن الواقعة. ووفقًا للمعلومات التي حصلت عليها المؤسسة، تعامل مسؤولي المديرية مع نشر الفيديو باعتباره محاولة لـ«تشويه» انطلاق العام الدراسي، بدلًا من التعامل مع المطالب المشروعة للأهالي ومعالجة أسباب حرمان أطفالهم من مدرسة داخل تجمعهم السكني.
كما حررت إدارة الشيخ زويد التعليمية محضرًا في قسم شرطة الشيخ زويد بشأن نشر الفيديو، وأرفقت به صورة لحساب على فيسبوك يحمل اسم «محمد عادل الجبالي»، بدعوى نشره المقطع المصور للوقفة.
وتزامن ذلك مع اتصالات من مديرية أمن شمال سيناء وقطاع الأمن الوطني ومحافظة شمال سيناء بإدارة الشيخ زويد التعليمية، للاستعلام عن المشاركين في الوقفة ومحاولة تحديد هوياتهم، ولا سيما الرجال الذين ظهروا في الفيديو. وتوجه مدير الإدارة التعليمية، أيمن شراب، إلى مدرسة قبر عمير لإعداد تقرير عن الواقعة ورفعه إلى المديرية.
نشرت مديرية التربية والتعليم بشمال سيناء، في وقت لاحق، مقطعًا مصورًا لوكيل الوزارة حمزة رضوان بشأن الواقعة، وأعيد نشره عبر الصفحة الرسمية لمحافظة شمال سيناء.
وبعد نشر المقطع، انتقل وكيل الوزارة من مدينة العريش إلى مدرسة قبر عمير للتعليم الأساسي، حيث عقد اجتماعا مع أعضاء هيئة التدريس دعا إليه عدد من أهالي تجمع النخلات الذين دعوا للوقفة الرمزية. وخلال الاجتماع، أوضح أن مديرية التربية والتعليم لا تعترض من حيث المبدأ على إعادة إنشاء المدرسة، لكنه أشار إلى وجود قرار صادر عن الهيئة الهندسية للقوات المسلحة يمنع إقامة منشآت حكومية خارج نطاق تجمع تنموي تعتزم الحكومة إنشاءه مستقبلًا في المنطقة، دون أن يعرف الأهالي موقع هذا التجمع أو الجدول الزمني لإنشائه.
وبينما كان الاجتماع منعقدًا بحضور مسئولي مديرية التربية والتعليم، وصلت قوة من قسم شرطة الشيخ زويد إلى المدرسة، وألقت القبض على المواطن عماد سلام موسى الجبالي ( الشخص الذي ظهر متحدثا بالفيديو)، من داخل قاعة الاجتماع، ثم اقتادته في سيارة إلى قسم الشرطة.
وقال شاهد عيان للمؤسسة، إن ثلاث مدرعات تابعة لقسم شرطة الشيخ زويد وصلت إلى المنطقة، وأقامت نقطة تفتيش على الطريق الممتد بين مدرسة قبر عمير ونقطة الإسعاف القريبة من تجمع النخلات، وفتشت السيارات المارة.
وأضاف الشاهد أن سيارتين ربع نقل تابعتين لمباحث الشيخ زويد وصلتا إلى التجمع، وكان يستقلهما أفراد يرتدون ملابس مدنية، ثم انتشروا بين المنازل وألقوا القبض على عدد من الرجال، بعضهم من داخل منزله، بينما سلم آخرون أنفسهم بعد علمهم بأن قوات المباحث تبحث عنهم. وبحسب الشاهد، كانت القوة الأمنية تحمل قائمة بأسماء أشخاص، غالبيتهم ممن ظهروا في مقطع الوقفة المصور.
ونُقل المقبوض عليهم إلى قسم شرطة الشيخ زويد، حيث خضعوا لتحقيقات أولية تركزت، بحسب مصادر، على تحديد من وصفتهم السلطات بـ«المحرضين» على تنظيم الوقفة، قبل نقلهم إلى مقر تابع للأمن الوطني في مدينة العريش. وأفرجت السلطات لاحقًا عن ستة منهم، بينما استمر احتجاز الجبالي ومزيون.
قالت مؤسسة سيناء أن الوقفة التي نظمها الأهالي وأطفالهم كانت تجمعًا سلميًا ذا مطلب اجتماعي مشروع، تمثل في ضمان وصول الأطفال إلى مدرسة آمنة وقريبة من محل إقامتهم. ولم تتضمن الوقفة أو الفيديوهات المنشورة ما يبرر حملة الاعتقالات ضد المشاركين.
وتؤكد المؤسسة أن قيام السلطات بملاحقة المشاركين، وتحديد هوياتهم من خلال المقاطع المصورة، والقبض عليهم من منازلهم أو من داخل اجتماع رسمي، يمثل اعتداءً على الحق في التجمع السلمي وحرية التعبير، ويبعث برسالة ترهيب إلى الأهالي لمنعهم من المطالبة بحقوقهم الأساسية.
وتكفل المادة 73 من الدستور المصري للمواطنين الحق في تنظيم الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات وجميع أشكال الاحتجاجات السلمية، كما تحمي المادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صدقت عليه مصر، الحق في التجمع السلمي. ولا يجوز تقييد هذا الحق إلا في حالات استثنائية ووفق شروط الضرورة والتناسب، وهي شروط لا تتوافر في وقفة رمزية نظمها الأهالي للمطالبة بإعادة بناء مدرسة أطفالهم.
وحتى إذا رأت السلطات أن موقع المدرسة المدمرة غير آمن للأطفال، فإن واجبها كان تأمين الموقع والاستجابة للمطلب التعليمي وتوفير بدائل آمنة، وليس ملاحقة أولياء الأمور والقبض عليهم بسبب تعبيرهم السلمي عن معاناتهم.
تطالب مؤسسة سيناء بالإفراج الفوري عن اثنين من الأهالي لا يزالان محتجزين، ووقف ملاحقة المشاركين في الوقفة، وضمان حق الأطفال في التعليم والأهالي في التجمع السلمي.
خلفية:
تأتي هذه الواقعة في سياق أوسع من الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التعليمية في شمال سيناء خلال العمليات العسكرية، واستمرار تقاعس السلطات عن إعادة بناء المدارس المدمرة وتوفير بدائل فعلية ومناسبة للأطفال، رغم الإعلان الرسمي عن انتهاء العمليات العسكرية في مطلع عام 2023.
وكانت مؤسسة سيناء قد وثقت في تقريرها «ألغام المستقبل»، الصادر عام 2024، تضرر 135 منشأة تعليمية في محافظة شمال سيناء، من بينها 73 مدرسة دمرتها قوات إنفاذ القانون المصرية، المشتركة من الجيش والشرطة، وبخاصة الجيش، دون توفير بدائل حقيقية ومناسبة لتلاميذها. كما وثق التقرير إغلاق سبع مدارس دون توفير بدائل ملائمة، واستخدام 49 مدرسة لأغراض عسكرية.
ووثق التقرير الآثار الممتدة لهذه الانتهاكات على الأطفال، بما في ذلك اضطرارهم إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مدارس بديلة، وتكدس الفصول، وارتفاع مخاطر التسرب من التعليم، وتحمل الأسر تكاليف إضافية للنقل، فضلًا عن المخاطر الأمنية التي يواجهها الأطفال أثناء تنقلهم.
ورغم وصول مطالب أهالي النخلات بإعادة بناء المدرسة إلى مجلس النواب منذ عام 2022، لم تعلن الحكومة حتى الآن خطة زمنية واضحة لإعادة إنشائها. كما لا يمكن تعليق حق الأطفال الحالي في التعليم على مشروع «تجمع تنموي» مستقبلي لا يعرف السكان موقعه أو موعد إنشائه.
الكلمات المفتاحية
أخر المواضيع
الأعلى مشاهدة
مقالات متعلقة
بيانات صحفية
بيانات صحفية
بيانات صحفية
